المنجي بوسنينة
14
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
بغداد في عهد هارون الرشيد ، وكانت توجد نسخة أخرى في البصرة في حوزة تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة ، ووجدت نسخة أخرى بمكة ، ثمّ انتقلت نسخة إلى منطقة جبل نفوسه في ليبيا لدى النفاث فرج بن نصر ، وإذا كان أيّ من هذه النسخ لم يعد بين أيدي الباحثين ، فإن هذا لا ينفي وجود الديوان الذي كان في الغالب كتابا جمع فيه بعض الأحاديث النبوية ، وبعض الآراء في التفسير القرآني ، وبعض الفتاوى الفقهية . وموضع القدوة تكمن في خطوة الإقدام على تدوين كتاب - بصرف النظر عن محتواه - في هذه الفترة التاريخية المبكّرة ، التي كان المسلمون يحرصون فيها على عدم تدوين شيء سوى القرآن الكريم ، بما في ذلك الأحاديث النبوية ، وتتّضح أهمّية خطوة جابر الذي توفى عام 92 ه إذا قارناها بالمدونات الأخرى ، فحركة التدوين في السنّة بدأت مع الأمر الذي أصدره عمر بن عبد العزيز إلى والي المدينة : « أنظر ما كان من حديث رسول اللّه أو سنة ماضية فاكتبه فإني خفت درس العلم وذهاب أهله » ، وكانت نتيجة ذلك تدوين مسند محمد بن شهاب الزهري ( ت 124 ه ) ، ويعود التدوين في التفسير كذلك إلى الطبري ، وابن رستم في القرن الثاني الهجري ، أما مدونات الفقه الاسلامي ، فتتضح من مراجعات تاريخ وفيات كبار الفقهاء ، زيد بن علي 132 ه ، جعفر الصادق 148 ه ، أبو حنيفة النعمان 150 ه ، مالك بن أنس 179 ه ، الشافعي 205 ه ، ابن حنبل 241 ه . إن هذه الدلائل كلّها تشير إلى أنّ جابر بن زيد ، كان أسبق من نعرفهم من المحدّثين والمفسّرين والفقهاء في تدوين كتاب التراث العربي ، وإذا صحّ ذلك ، فإنه يكون قد شارك في وضع حدّ لفترة طويلة من التردّد في التدوين ، استمرّت نحو ثلاثة أرباع القرن ، منذ بدء نزول الوحي وتدوينه على يد « كتبة الوحي » وإيثار المسلمين عدم تدوين أي أثر آخر لكيلا يختلط بالقرآن الكريم ، وربّما كانت الجهود التي بذلت في عهدي أبي بكر وعثمان من جمع القرآن وتوحيد المصحف ، قد خفّفت من مخاوف المسلمين في هذا الصدد ، لكن قصور وسائل الكتابة العربية ذاتها ، وخلوّها في هذه الفترة من وسائل نقط الحروف وتشكيلها ، وخلو الأبجدية من حروف المد ، كان يجعل الكلمة المكتوبة ملبسة ، تحتمل كثيرا من الأوجه ، وتجعل العلماء حريصين على تلقي العلم وتلقينه مشافهة تلافيا للبس ، لكن جهود الإصلاح التي أدخلها أبو الأسود الدؤلي ، ونصر بن عاصم ، ثمّ الخليل بن أحمد فيما بعد أزالت مظاهر الإيهام ، وخطوة التدوين على يد جابر ابن زيد شجعت العلماء على دخول مرحلة جديدة في تاريخ الكتابة العربية . ولم يكن تميّز جابر بن زيد وقفا على طريقته في تحصيل العلم وتبليغه ، وإنّما امتدّ أيضا ليشمل طريقته في التعامل مع عصر مليء بالطغيان والفساد ، لقد قدر للبصرة التي لجأ إليها كثير من أصحاب المذاهب والآراء السياسية والدينية ، أن يتعاقب على حكمها في حياة جابر ، أشهر ثلاثة أمراء عرفوا بالقسوة ، وهم زياد بن أبيه ، وعبد اللّه بن زياد ، والحجاج بن يوسف الثقفي ، وكانوا جميعا يؤمنون بسياسة العقاب الجماعي ، ووأد الفتنة قبل أن تولد ، والارتياب في أصحاب الفكر